• الإثنين : ١٨ - أكتوبر - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٩:٠٧ مساءً
الممارسة التشكيلية ومقتضياتها في السلطنة

العمانية/ ثمة توصيفات غير مستقرة عند تحديد مفاهيمنا للفن التشكيلي ومقتضياته بين متابعيه على وجه العموم، وهذا أمر نسبيا يراه البعض، يتحدد من خلال المعطيات التي يتفاعل من خلالها الفنان ونتاجه الفني والعلاقة التي تنشأ بين العمل الفني والمتلقي، وهناك من يرى أن الفن هو ذلك الحس الروحي الذي طالما غمر وجدان المتلقي للإجابة على تساؤلات حقيقية يراها هو الآخر تعالج قضاياه وهمومه.. هنا نضع عدة تساؤلات في هذا الشأن، تُرى كيف ينظر الفنانون للممارسة التشكيلية بالسلطنة، وهل للفن بذاته يبحث عن الجمال والتنفيس عن الأفكار والرؤى والآمال، أم الفن للمجتمع يسعى لمعالجة قضاياه وتقديم الأفكار الإبداعية في حلها؟

في هذا الإطار تقول الدكتورة الأكاديمية والفنانة التشكيلية فخرية اليحيائية: فيما يخص الممارسة التشكيلية للفنان العماني فقد تصنف بأنها أكثر أريحية من نواح عديدة رغم سلبيات تلك الأريحية؛ فأغلب ممارسات الفنانين تنفيسٌ وتعبيرٌ عن عوالمهم الخاصة وهذا في حدّ ذاته عالم الفن لكن هناك من يفضلون أن يبعدوا أنفسهم عن القضايا المجتمعية العامة والبعض يعيش عزلة مجتمعية اختيارية في حين أن الفن يجب أن يكون معبّرًا عن جميع القضايا المحيطة به في العالم.

وتضيف الدكتورة فخرية: لا بد أن نعي أن موضوع الفن للفن أو الفن للمجتمع هي قضية بدأت منذ أن بدأ الإنسان يمارس أولى نزعات الفن من أجل الحياة؛ إذ لم تكن نتاجات الإنسان آنذاك من أجل التنفيس عن مشاعر بقدر ماهي محاولات للعيش والبقاء على قيد الحياة. هذه القضية تتجدّد بتجدّد الأجيال والقضايا التي يعيشها الفنان ومدى قربها منه وملامستها لواقعه.

وتشير إلى أن الإنسان الفنان أصبح لا يفصل بين ممارساته للفن كتعبير ذاتي وتفريغ عن انفعالاته وبين ما يعيشه في واقعه المجتمعي؛ إذ إن الفنان ابن بيئته وبقدر ما يكون الفنان ملما بقضايا المجتمع الذي ينتمي إليه بقدر ما يجد طاقاته الفكرية تترجم الواقع بطريقته وأسلوبه الخاص، وهناك من الفنانين من يجد أن عالمه الخاص بما يحمله من مشاعر وانفعالات موازية للحالة المجتمعية الخاصة به.

الفنان الدكتور سلمان الحجري يقترب برأيه ويشاطر الفنانة اليحيائية في رأيها ويوضح أن الممارسة الفنية في السلطنة هي في سياق النظام التطوري المرتبط بالتاريخ الحديث للسلطنة وتطوره منذ بداية النهضة المباركة على اعتبار وجود مؤسسات أسهمت في تطويره على المستوى الإبداعي والتشكيلي وكانت بإصدار ومتابعة حثيثة من المؤسسات الرسمية في السلطنة ولهذا تم إنشاء مؤسسات مثل مرسم الشباب والجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وهناك من الفنانين الذين مارسوا الفن من خلال علاقاتهم الفنية الخارجية السابقة وهنا تصاعد تدريجي إيجابي ملموس، بدءا من السبعينات ومن ثم الألفية الجديدة، وهذا ما مهّد لمشاركة الفنانين العمانيين في ملتقيات خارجية دولية وإقليمية نوعية، فتطور من كونه رسما وحرفة إلى أسلوب فني فكري مغاير، ولا ننسى أن جائحة كورونا أثرت بشكل سلبي في مسيرة الفن التشكيلي في السلطنة بسبب الظروف المصاحبة للإغلاقات الاستثنائية، ولكن ذلك لا يمنع من الممارسة الفردية وظهور مؤسسات غير ربحية قامت لخدمة الفن وأكملت الدور الذي تقوم به المؤسسات الحكومية.

وفي شأن ما إذا كان الفن بذاته باحثًا عن الجمال والتنفيس عن الأفكار والرؤى والآمال، أم أنه للمجتمع يسعى لمعالجة قضاياه وتقديم الأفكار الإبداعية في حلها يقول: "يجب أن ندرك أن الفن باحث عن الجمال ومجسد له والتنفيس هو أحد أهدافه الكبرى، والنشاط الإبداعي والإنتاج الفكري الثقافي في مجال التشكيل هو نشاط مجتمعي هدفه الأول تسجيل ومحاولة استنطاق مواهب فنية موجودة في السلطنة بطريقة تكون مقبولة مجتمعيا يصل بها المتذوق إلى مراحل متقدمة في التعبير عن الأفكار، والإبداع هو ذلك الإنتاج الذي يقدم ويسحب المجتمع إلى الأمام ويجد له حلولا جمالية تستشف من الطبيعة والتراث للوصول إلى مستويات عالية جدا من الإبداع البصري عبر المنحوتات واللوحات والتصوير الزيتي، فالفن هو أحد المكونات التي تنعش المجتمع.

ويضيف الحجري أن مفهوم الفن تعددت تعريفاته، بتعدد الثقافات التي نشأ بها بشكل تفصيلي أو جزئي، وأغلب التعريفات استقرت على أنه ذلك الإنتاج البشري الفطري الإبداعي الذي تتميز به مجموعة من الأفراد الملهمين جدا تجاه ما يحيط بهم في هذا الكون من معطيات مختلفة، سواء كانت بيئية أو تراثية أو إنسانية، ويعيدون رؤية هذه المواضع برؤية جمالية فطرية ليست مصطنعة وهذا ما يميز الفن التشكيلي لأنه سلوك فطري موجود بوجود الإنسان على هذه المعمورة، هذا المفهوم العام.

ولا تبتعد الدكتور نجلاء المرضوف السعدية في شأن  الممارسة التشكيلية بالسلطنة عما تم طرحه في هذا الشأن فهي تشير إلى أن الممارسة التشكيلية في السلطنة من بداية ظهور الحركة التشكيلية العمانية إلى يومنا هذا لم يكن الفنان العماني منفصلا عن فكره الداخلي ورؤاه الإبداعية في أعماله، وأيضا لم يكن منعزلا عن العالم بكل أحداثه وقضاياه وتجاربه الفنية فهو متزامن مع فنه بكل تطوراته وتغيراته ليربطها بحسه الروحي لتصل إلى عين المشاهد، فنجد الفنان العماني يحاورنا من خلال إبداعه عن ما يدور بداخله من رؤى وأفكار منفسا فيها عن مشاعره وأحاسيسه بالجمال والابتكار والمهارة الفنية، وهذا ما ظهر من خلال العمل الفني مع بعض الفنانين العمانيين وهو التعبير عن ما  يجول في خاطره من خلال حوارات تتبلور مع النفس أو قضية مجتمعية مرتبطة بما يدور حوله ليتم نقلها إلى العالم ليظهر من خلالها الإبداع والابتكار للصورة واللون حيث ينقل هذه الحوارات من خلال رموز وعلامات ورؤى فنية للتنفيس عنها  أو قضية واقعة حصلت من حوله ويناقشها مع المتلقي.

وتؤكد أن الفن لم يكن باحثا عن الجمال بحد ذاته وإنما هو فن متكامل بمختلف جوانبه من الأفكار والإبداع سواء كان ناقلا لرؤى داخلية من خلال الجمال أو ساعيا لمعالجة قضية يشارك فيها العالم من حوله.

 وتشير إلى أن الممارسة التشكيلية العمانية جمعت تحت ظلها العديد من الفنانين الذين يحاولون التعبير عن أحلامهم وآمالهم من خلال الفرشاة، وفي نفس الساحة نجد مجموعة من الفنانين يناقشون قضايا تهم العالم العربي منها قضية الهوية والتراث وغيرها..

وللفنان التشكيلي سيف العامري رأي حيث تتقاطع فكرته مع الطرح أعلاه وما أكد عليه الفنانون التشكيليون، فهو لديه نظرة تفاؤل للممارسة التشكيلية بالسلطنة نظرة مشرقة مستقبلية مما هو عليه الآن، ويقول العامري: منذ فترات ماضية نلحظ ذلك الخفوت في الحركة التشكيلية على وجه الخصوص محليًّا ودوليًّا وقد شكل نوعًا من التراجع على المستوى الفني حسب تعبيره، ويرى العامري ذلك الانعكاس الذي قلّص وقائع التقدم في مجالات الفنون البصرية المختلفة عند الكثير من الفنانين والفنانات التشكيليين العمانيين.

لكن للعامري رأي محفز فيشير قائلا: نعم يقوم الفن بالدور الأهم بمحاذاة الفنان التشكيلي والفنانة التشكيلية في البحث عن مفردات الجمال بأشكاله وبذلك يكون المتنفس عن تلك الأفكار والرؤى والآمال التي يتمناها الفنان لتحقيق الأهداف المرجوة والارتقاء بمفهوم الفن التشكيلي العماني، كما أن له الدور الأكبر في المجتمعات العالمية فهو ملامس ومعالج في كثير من قضاياه وهمومه مع الأعمال المطروحة في كثير من الملتقيات والبيناليات والمعارض الفنية ذات أفكار إبداعية في طرحها المدروس فنيا.

وتقول الفنانة التشكيلية حفصة التميمية في شأن رؤية الفنان للممارسة التشكيلية بالسلطنة: هي بلا شك رؤية عميقة ولها حضورها وقد شكّلت وقعا تراكميا خلال السنوات الماضية، وهذا ما أسست له المؤسسات المعنية في السلطنة الرسمية منها والخاصة وأيضا الجهود الفنية الذاتية للفنانين العمانية على وجه الخصوص.

وما إذا كان الفن بذاته باحثًا عن الجمال والتنفيس عن الأفكار والرؤى والآمال توضح التميمية : هناك تشارك في ماهية الأفكار، قد لا تتقاطع في الوقت ذاته حول هذه النقطة بالتحديد، فالمهتم للفن في السلطنة سواء كان فنانا أو حتى متلقّيا ويصنف إلى عدة تصنيفات فهناك من يبحث عن الجمال وهناك من يبحث عن الفكر وهناك من يبحث عن القضايا المجتمعية، وهناك من يبحث عن الإبداع والأفكار غير المألوفة التي تحقق رمزية معينة، وهذا الاختلاف موجود في كل المجتمعات ومتباين حسب الشخصيات وطريقة تفكيرها وانتماءاتها الفكرية والثقافية.

 أما في يتعلق بالفن كونه للمجتمع ساعيا لمعالجة قضاياه وتقديم أفكاره فهي تشير إلى أن الساحة الفنية في السلطنة مليئة بالأفكار والقضايا، ويمكن للفنان أن يعالج بعضا منها، ولكل فنان غاية وهدف، إما إيجاد الجمال فقط وإما إيجاد فكر إبداعي يؤثر في المجتمع ويحدث تغيرا واقعيا من خلاله.







شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد