• الجمعة : ٢٣ - أبريل - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٣:٣١ مساءً
د.
أحمد المعشني قبل كتابة هذا المقال تواصلت مع العديد من الأشخاص ممن أعرفهم سواء من خلال التدريس والتدريب أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وتوجهت إليهم بسؤال محدد: هل تمارس الحياة من الداخل؟ هل تجد وقتًا للتأمل والإصغاء إلى صوتك الداخلي؟ وهل لديك تجارب في تحييد العقل الشخصي المنطقي وتنشيط الاتصال بالعقل الإلهي، لاستمداد الإبداع والتماس الحلول غير التقليدية لما يعترضك من مشاكل؟.

وقفزت إلى عقلي وأنا أكتب هذه الأسئلة العديد من المواقف الحقيقية التي عاشها وخاضها أشخاص بسطاء قدرهم من التعليم ضئيل جدًّا، بل إن أغلبهم لا يقرأون ولا يكتبون، منهم من غادرنا وبعضهم لا يزالون أحياء بيننا، وأجمع العديد منهم أنهم خاضوا تجارب غير مخططة وغير متوقعة، وتظهر أنهم يعيشون حياتهم من الداخل، يمارسون أسلوب التوكل على الله سبحانه وتعالى بلغة بسيطة وبقلوب خاشعة، وبروح صادقة تلامس نور الله وتتلقى منه الدعم والمعونة.

إن ممارسة الحياة من داخل الذات يظهر لنا التحول إلى وعي داخلي فطري يمكّن الفرد أن يصل إلى الوعي الأعلى بداخله، ويترتب على ذلك اتساع الوعي الذاتي.

كما إنّ الوصول إلى وعيك الروحي الداخلي الأعلى يفتح عقلك الواعي إلى وعي أكبر وتوجيه روحي حافل بالإبداع والحكمة.

يخبرني أحد الأصدقاء عن تجربته في عيش الحياة من الداخل بأنه مر في حياته باختبارات وتحديات كثيرة انعكست على صحته وعلى أنشطته التجاربة، وكان استقباله لتلك التحولات روحًيا، رد الأمور إلى مصدرها، والتزام الهدوء وممارسة التأمل والمواظبة على العبادة والعزلة النسبية، ومع مرور الأيام صارت حياته متوازنة، وصار قليل الكلام، ويطرح الأسئلة الصعبة على ذاته العليا التي تجيبه بأحاسيس ومشاعر تدفعه إلى اتخاذ القرارات المعتدلة التي يلمس نتائجها الإيجابية لاحقًا.

في عام 1998 تعرض سوق مسقط للأوراق المالية لهبوط حاد، ووقع كثير من المتعاملين بالأسهم ضحايا لخسائر فادحة، إلا ذلك الصديق الذي تلقى إشعار من حدسه بأن يبيع كل ما يمتلك من الأسهم في بعض الشركات التي كان صعود أسعارها فلكيًا، فباع كل تلك الأسهم التي كان يمتلكها بسعر ثمانية عشر ريالًا للسهم الواحد، وفي غضون أيام قليلة هبط سعر سهم تلك الشركة إلى ريال واحد فقط، وافتقر كثير من الناس ودخل العديد منهم إلى المصحات النفسية.

يخبرني أحد الشباب الذين تعينوا في وظيفة مرموقة تنافس عليها أكثر من أربعين متقدمًا بأنه خاض المقابلة في داخله يقين بأن الوظيفة ستكون من نصيبه، وهذا ما حدث فعلًا، كان ذلك الشاب يعيش حالة من السكينة والطمأنينة والتصالح مع الذات ومع الآخرين.

إن العديد من الذين يتمتعون بحدس داخلي عميق يمارسون بشكل أو بآخر التأمل العقلي والخلوة مع الذات، وتقليل فضول الكلام، وهذا ما يفتح عقولهم على خيارات لا حصر لها من تجارب وطاقات تأتيهم من وعي أعلى.
وبالتالي، يمكن القول إن الحياة من الداخل تنفتح وتسمح للنور الإلهي بأن يتجلى في حياتنا.

ومن أمثلة ذلك شاب لم يفلح في التعليم؛ ولكنه كان يعشق التجارة والأعمال، وتعرض في مختلف مراحل حياته إلى الحطّ من قدره والتشكيك في طاقاته ومواهبه من أبيه الذي لم يكن يراه صالحا لأي شيء في الحياة، ولكن الشاب الذي كان متصلًا بالله سبحانه وتعالى، استمر في تعميق تجربته الروحية لما تمنحه من طمأنينة وسلام، واستمر في ممارسة نشاطه التجاري، وجاء اليوم الذي اكتشف والده أن ابنه قد تفوق عليه، لأنه باختصار كان يسمح لحواسه الداخلية المتصلة بالنور الإلهي تتحول إلى أفكار وقرارات.

من هنا يمكنني القول بأن الحياة من الداخل تمثل ذكاءً روحيًا يتيح لك منظورًا أفضل للقرارات التي ينبغي عليك اتخاذها.

✱ مؤسس العلاج بالاستنارة (الطاقة الروحية والنفسية)
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية






شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد