• الجمعة : ٢٣ - أبريل - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٢:٤٩ مساءً
د.
رجب بن علي العويسي عودة جديدة لجائحة كورونا تنذر بمخاطر كبيرة على حياة الفرد والمجتمع، في ظل حالة الاستهتار وسلوك اللامبالاة وفتور الهمّة التي أصابت البعض في العمل بالإجراءات الوقائية والتدابير الاحترازية التي أقرتها اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد19)، والجهات المعنية بتقنين وتنظيم عمل المنشآت الاقتصادية التجارية والصناعية والخدمية، على أن مؤشرات الحالة الوبائية حول العالم وعلى المستوى الوطني ترصد زيادة في حالات الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد19) وتسجيل انتشار للسلالات الجديدة، وقد ورد في المؤتمر الصحفي للجنة العليا بتاريخ الـ25 من فبراير 2021، أنه خلال ما يقل عن شهرين ارتفع عدد المرقدين في العناية المركزة إلى 70 حالة مقارنة بـ20 حالة، مما يعني أن تطور المؤشر الوبائي بالسلطنة في مرحلته الحالية بات يدق ناقوس الخطر، ويضع الفرد والمجتمع أمام مسؤولية أكبر في التعاطي مع معطيات هذه الجائحة والتحولات الحاصلة في مراحل تطور هذا الفيروس، حفاظا على حياة الفرد وأمنه واستقراره وصحته النفسية والبدنية، والحدِّ من التدهور الصحي الذي يعيشه ممن أصابهم الفيروس حتى وصل بهم الحال إلى العناية المركزة والوفاة، الأمر الذي يقود المجتمع في ظل استمرار حالة الاستهتار الحاصلة من البعض إلى نواتج وخيمة في اتساع انتشار المرض، وزيادة أعداد المنومين في المستشفيات بالشكل الذي يفوق جاهزية المؤسسات الصحية الوطنية وإمكاناتها واستيعابها لذلك.

ولمّا كانت الجريمة في أبسط مفاهيمها ذلك الفعل الجرمي الذى يتم ارتكابه بشكل يتقاطع مع القواعد والنظم الاجتماعية السائدة بما فيه من خروج على القانون واعتداء على حق يحميه الشرع والتشريع، ويتطلب إصدار العقوبات والجزاءات النافذة ضد مرتكبها؛ فإنّ التصاق الجريمة بالتهاون من قبل بعض أفراد المجتمع والمقيمين تعبير عن المخاطر الناتجة عن هذا التجاوز الحاصل على أمن الإنسان وحياته، وما فيه من إيذاء للنفس والآخرين وضرر بهم، وخروج عن القواعد والأطر والقرارات التي رسمتها اللجنة العليا المكلفة واتخذتها في ظل الأهداف المنوطة بها، وبالتالي كانت الإشارة إلى جرمية هذا الاستهتار بما يحمله من طيش وتهور، واندفاع وغوغائية، واستهجان في السلوك، وضعف في حس المسؤولية وانتكاسة للذات في دركات الجهالة المرهقة والحماقة المفرطة، في رعونة التصرف وهمجية العمل، وانحراف الهدف وسوء القصد، والتسلق على أكتاف الآخرين مع الحاق الضرر بهم وعدم تقدير وجودهم، وإغلاق مداخل التفكير الناضج، والفكر الحصيف، والتأمل الواعي للمشهد الاجتماعي، وتقييم الوضع المأساوي الناتج عن استمرار هذا الوباء على حياة الناس ومعيشتهم وأمنهم النفسي والفكري والبدني، وتقييد النفس عن استيعاب الأحداث، وإنتاج الحلول للواقع، وتوفير بدائل القوة ومنصات الاختيار، ليدخل بها هذا السوك الجرمي إلى السقوط الأخلاقي ودركات الدناءة وغياب القيم ومتاهات الفوضى الفكرية، غير ناظر إلى فضل الله وكرمه عليه ببقائه في هذه الحياة، وتجاوزه لهذه الشدة التي مرّت عليه، فيعبث بصحة غيره، ويتجاوز حقوق الآخرين بما يحمله من سوء نيه، وضعف سيرة، وقبح سريرة، إذ ومع علمه بمخاطر الاستهتار، ومشاهدته لأحداثها في الواقع، وإدراكه للأضرار الناتجة عن التساهل في التعاطي مع قواعد العمل الأخلاقي والإنساني الموجهة نحو (كوفيد 19) وسلالاته الجديدة؛ إلا أنه بكل تبجح وقبح، يتنصّل من التزاماته، ويتهاون في أداء واجباته، منتهكا كل التعليمات والقرارات والأوامر والنواهي والتحذيرات الصادرة من جهات الاختصاص، بتعمده في إيذاء نفسه وأسرته ومجتمعه بنشر هذا الوباء وتعريض الناس له، فيعطّل بقبح فعله، وضعف بصيرته، وبلادة تفكيره منهج الإرادة والرؤية ومساحات التكريم التي وهبه الله عزَّ وجلَّ إياها، ليلقي بنفسه إلى التهلكة ويضر به غيره، منغصا حياتهم، مقلقا راحتهم، متسببا في نشر الوباء لهم، في انانية مفرطة، وسلوك تنمُّري يحمل الحقد والكراهية، والعداوة والبغضاء، فسلب من ذاته ضمير المسؤولية، وافتقدت إرادته لروح الاتزان، ومسار الأمانة في الالتزام، وحق التكليف في الاختيار، ليمارس بحماقته وتعطيله حق الله والوطن والإنسان وأوامر جلالة السلطان، جرما لن يغتفر له، وسلوكا عدوانيا لن يسامح عليه، ليبقى سلوكه وصمة في جبينه، في أنانية النفس، وحب الذات، والفردانية في السلوك، ولغة المصالح الشخصية التي تحجب عنه رعاية مصالح الآخرين واحترامهم وتقدير ظروفهم وحالاتهم المرضية ورعاية مشاعرهم، وضعف الذوق الاجتماعي الصحي لديه، أو تكريس لغة الأنانية والفوقية، بتعريض كبار السن والأطفال وغيرهم للتهلكة، وتعمد إيقاعهم في الضرر، فكم تسبب استهتارهم في مآسٍ، وترك من ضرر، وخلّف من فواجع، وأرهب الأنفس الآمنة المطمئنة، بسلوك أرعن عاقره، فخلع سوار التعقّب من يده كما خلع لباس التقوى ليعيث في الأرض فسادا، ويرهق خلق الله ويؤذيهم بفعله القبيح وسلوكه الماجن، وأسلوبه القذر الذي يتنافى مع كل المبادئ والقيم والأخلاقيات ويتقاطع مع مفهوم الإنسانية في صفائها ونقائها.

من هنا فإن التعاطي مع هذا الواقع يستدعي اليوم تحولا اجتماعيا يقوم على تعظيم قيمة المسؤولية الذاتية الفردية والجماعية، وتأصيل قواعد الالتزام لبدء مرحلة جديدة يعيد فيها المواطن إنتاج واقعه، وإحداث تحول في ممارساته، وتصحيح أدواته، ومعالجة جوانب القصور لديه، لمرحلة جديدة يكون فيها المواطن حارسا أمينا على وطنه وأبناء وطنه، مراعيا حق الله والوطن وأبناء هذا الوطن فيها بالتزامه بها، والوقوف عليها، وأخذ العبرة منها، والأخذ بيد من تساهل فيها، بنصحه وإرشاده، وحسن توجيهه، وتذكيره بما أقرته اللجنة العليا من قرارات والتزامات، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، أو عبر إبلاغ جهات الاختصاص بالتجاوزات الحاصلة من قبل البعض في عدم لبس الكمامة، أو التقيد بإجراءات الحجر المؤسسي، أو خلع وإتلاف سوار التعقّب، أو مخالفة التعليميات والتحايل في تطبيقها بأساليب تنم عن ضعف الوعي وحس المسؤولية، بما يتنافى مع الأخلاقيات والقيم والمبادئ الأصيلة التي يؤكد عليها الإسلام وتعززها القوانين والتشريعات الوطنية، فإن المؤمن أليف يؤلف، ينثر الخير ورياحين المسك، ويبني الأمل القادم بحياة ملؤها الصفاء والنقاء، وبالتالي فإن صناعة هذا التحوّل في السلوك نحو كورونا، يجب أن يبدأ من الفرد ذاته ويظهر عبر صدق ممارساته، وحسن التزامه، وثباته على المبدأ الذي وعد به القيادة الحكيمة وفاء لعمان وولاء لجلالة السلطان؛ إنها مسؤولية فردية ومجتمعية على حد سواء، وعدم تحقيقها خروج عن السرب، وكسر للقواعد، وفتح جبهات جديدة مع القانون والضبط والتدخّل القضائي، ومساحة واسعة لانتشار الوباء وزيادة الحالات، لذلك فإن الحديث عن تحولات الواقع المؤلم والخطير الناتج عن (كوفيد19) وسلالاته الجديدة يُلقي بمسؤوليته على كل فرد وبيت وأسرة ومؤسسة، في مواجهة السلوكيات المستهجنة، والأفكار المشككة، والمعلومات غير الموضوعية التي ما زالت تقرأ في هذه الجائحة نوعا من النزعات التسييسيّة والمصالح الشخصية القطبية.

على أن قدرة المجتمع بكل شرائحه وفئاته على تحقيق التزام ذاتي نابع من قناعة ومصداقية وتقييم للوضع ومراجعة للذات وتحصين للنفس، يعني بلوغ درجة الأمان، وتقليل درجة القلق والمخاطر، وغياب لغة الاستهتار والأنانية والذاتية، ووصول المجتمع إلى أعلى مراتب الوعي الفكري والسمو المعرفي والخلقي، مستفيدا من هذا الواقع المؤلم لـ(كوفيد 19)، في رسم علامة فارقة لبناء مجتمع القوة واستشعار عظمة التحدي الذي يواجهونه، ولم يعد من مجال للتبريرات في ظل تزايد أعداد الحالات، فإن مؤشر انخفاض مستوى المخالفات من المواطنين والمقيمين لقرارات اللجنة العليا تعبير عن وعي المجتمع والتزامه وتفهمه للواقع الاجتماعي واستشعاره بأن هذه العقوبات والجزاءات التي اتخذتها الجهات التشريعية والقضائية والقانونية، ما وجدت إلا لصالح المواطن والمقيم وسلامته وصحته والوقوف في وجه كل من تسول لهم أنفسهم إقلاق الأمن والأمان ونشر الرعب والخوف في حياة المواطنين، وتبقى المرحلة القادمة حاسمة بكل المعايير في قدرة المجتمع بكل أطيافه على تفهم الوضع الوبائي ورسم صورة جديدة تغير مجرى الأحداث وتبشّر بزوال الوباء، إنها مرحلة تحتم على الجميع الوقوف على الواقع، وأخذ العظة والعبرة من الأحداث، والتقاط الأنفاس لتقييم السلوك الشخصي والمجتمع، وإعادة تقييم الوضع العام، في ظل هذا الهاجس الذي سيبدد الآمال إن لم تتكاتف جهود الجميع في احتوائه والحد من انتشاره، ويقلل من تضحية المجتمع السلبية بأبنائه وبناته في سبيل إرضاء غرور من غابت عنهم النخوة، وترجّلت من سلوكهم الفضيلة، وضاعت من أذواقهم المسؤولية، وغاب عن وجوههم ماء الحياء ليجاهروا مجتمعهم بحقدهم وكراهيتهم لأبنائه.

أخيرا، متى ما أدرك الجميع مسؤولياته، واحترم دوره، ووقف عند حدوده، وصنع القوة لمجتمعه، وبني الأمل بالشفاء العاجل للمرقدين في المستشفيات والعناية المركزة، عندها ستتجاوز عمان هذه الجائحة وتنقشع غمامة الحزن والأسى التي خلّفها كورونا بلا رجعة، وتزول سحابة الألم والخطر الذي أقلق البلاد والعباد، في ذاكرة حياة مفجعة، تركت الناس في ألم وغصة، وحزن وكدر، آخذة معها من نحب، فـ(إنا لله وإنا إليه راجعون).






شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد