• الأحد : ١٦ - مايو - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٣:٤٦ مساءً
قراءة في كتاب

 

 

عبيدلي العبيدلي

صَدَر كتاب "La médiocratie" لمؤلفه آلان دونو "Alain Deneault" باللغة الفرنسية في العام 2017. وقامت بترجمته د. مشاعل الهاجري، كي تصدر نسخته العربية في العام 2020. أثارت الموضوعات التي ناقشها الكتاب حوارات ساخنة حول مدى دقة التحليلات التي حملتها. فقد شكلت هذه التحليلات والاستنتاجات التي ولدتها مجموعة من علامات التعجب حول تلك الموضوعات، ومدى سلامتها، ومن ثم صحتها، وبالتالي قدرتها على تقديم التفسيرات العلمية الصحيحة لما نشهده اليوم من نظام دولي جديد، يحاول دونو أن يشخص معالمه الخارجية، وآلياته الداخلية.

ينجح دونو في هذا الكتاب في أن يرسم بدقة لا متناهية المعالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل وحتى الإعلامية، لمجتمعات تتمركز -وفقا لتوصيفاته- في حدود مساحة تحتل موقعا في غاية الأهمية من الجغرافيا السياسية للكرة الأرضية. ويفلح دونو في أن يلقي أضواء كاشفة على تلك المنطقة المعروفة باسم العالم المتقدم، مستخدما الحالة الكندية كعينة اختبار؛ كي يسبر غور مجتمعات توصف بالعالم الليبرالي، الذي أصبح اليوم ضحية ما يضعه دونو في خانة الليبرالية المتطرفة، في حين يطلق عليه البعض الآخر الليبرالية المتوحشة، أو النيو ليبرالية.

لذا؛ يلمس القارئ من الصفحات الأولى في الكتاب تحذيرا واضحَ النبرة تنقله الفكرة المركزية التي تتمحور حولها مادة الكتاب من توحش نمط الإنتاج في هذه المجتمعات؛ وبالتالي مخرجاته المادية وقيمه الثقافية؛ كونها انتقلت -وبشكل تدريجي- بعيدا عن الطفرات المفاجأة إلى ما يعتبره دونو أنه نتيجة منطقية، وإفراز طبيعي لفساد الديمقراطية المبنية على ذلك الصنف من الليبرالية، أو المنحدرة منها. وبفضل ذلك، تحولت تلك المجتمعات التي تحاول أن تكون النموذج الذي يحتذى به عالميا، إلى ما يعتبره الكاتب ضربا من الأنظمة المحنطة التي تتحكم في مقدراتها عقلية الفئة ذات المقدرات المتوسطة، وليست المبدعة أو المتفوقة.

فنجد الكاتب يدعو قارئه بشكل سلس في الاستنتاجات، وغزير في المعلومات والأمثلة الحية، إلى أن يعيد النظر في التسميات التي كان يطلقها على النصف الشمالي الغربي من الكرة الأرضية؛ كون ذلك الجزء طور بشكل -ربما يكون غير واع- ما يسميه دونو "النظام الديمقراطي المتوسط"، وليس التافه كما تعتبره المترجمة د. مشاعل الهاجري.

وفي هذا النظام الديمقراطي، الذي تسيره آليات ذهنيات متوسطة، حسب توصيف دونو، تكون السلطة في أيدي الأشخاص "العاديين" - وليس العباقرة ولا الموهوبين، وبالقدر ذاته ليسوا الأغبياء- الذين يتسلقون سلم المستوى المتوسط ​​من خلال ممارسة اللعبة. هذه "اللعبة"، كما يصفها دونو، يمكن الانخراط فيها على جميع المستويات الهرمية، والتي تتكون من احترام القواعد في المظهر، ولكن "الأشخاص العاديين" الذين يمارسونها، يتجاهلونها وراء الكواليس لفرض مقاييسهم، ونمط تفكيرهم، ومن ثم أشكال سلوكهم.

ويدلل دونو على صحة ما ذهب إليه في وصفه لهيمنة الفئة ذات المستوى المتوسط، التي تحتل وسط الهرم الذهني، إن جاز القول، من خلال تردي أداء العديد من المؤسسات العاملة في مثل تلك المجتمعات التي يعالج واقعها الكتاب، وفي مقدمتها المجتمع الكندي. فهي -تلك الفئة المتوسطة التفكير والكفاءة- ليست بالعُليا ولا الدنيا. ويستعين دونو لإثبات ذلك بالعديد من الأمثلة الحية التي تكشف كيف يفسد النظام الوسيط اللغة والأفكار والمفكرين والأوساط الأكاديمية والاقتصاد، والفن والثقافة، بل وحتى الديمقراطية نفسها. وتشيد تلك الفئة متوسطة الأداء والتفكير -على حد سواء- بمكونات النظام الوسيط للفكر والعمل للكيانات الحاكمة. وتذهلنا باللغة الجوفاء التي تلوكها ألسنة خبرائها، ودراسات الاستشارات العامة باهظة الثمن التي لا تؤدي، في نهاية الأمر، إلا نحو استنتاجات مكتوبة مسبقًا، وملقنة حرفيا، تقود إلى تأكيد خيارات السلطة الغارقة في مستنقع "توسط تفكيرها".

ويُعدُّ الكتاب إضافة أصيلة موثقة، وغنية بالأمثلة الحية التي تضاف إلى الاجتهادات القليلة الحديثة التي تهاجم أيضًا النظام الذي تبنيه هذه الفئة ذات القدرات المتوسطة. ويسجل لمؤلف الكتاب دونو توصيفه الدقيق لأنماط تفكير هذه الفئة المتوسطة وسلوكها أيضا. وأكثر من ذلك سيطرتها على مقدرات المجتمعات التي تقطنها، من خلال ما يطلق عليه "اللعبة"، التي تتقن هذه الفئة بمهارة عالية فنون ممارستها، وفي مقدمتها إزاحة الموارد البشرية الوطنية ذات الكفاءة الرفيعة من طريقها، بعد أن تفرض ذهنيتها الوسطية على كل من يحاول أن يقف في طريقها، إن أراد تفادي تلك الإزاحة.

وحول جوهر "اللعبة"، يصفها دونو بأنها "تعبير غامض ملائم تماما للفكر التافه، تتطلب منك في عدة أوقات أن تمتثل للقواعد، لشغل موقع مهم على رقعة الشطرنج الاجتماعي، أو للتملص من هذه القواعد بتعجرف، مع الحفاظ على المظاهر، من خلال أفعال تآمرية تنحرف بنزاهة العملية”.

ورغم نقده اللاذع لهذه الحالة المتوسطة من الأداء، فإن استنتاجات دعوته للتغيير قد تخيب آمال الكثيرون، وعلى وجه الخصوص من ينتمون فكريا لليسار، الذين ينكبون على وضع مشروعات مفصلة تحرض على الإطاحة بهذا النظام الجديد "المتوسط الأداء والكفاءة".

فالكاتب، عوضا عن ذلك يرى -دون أن يقترح برنامجا مفصلا- أنه يمكن أن تخرج من رحم هذا النظام المحكوم بتوسطه، وتحت عناصر ظروف لم يسهب في الحديث عنها، واكتفي بالإشارات التلميحية لها، طرق جديدة مثيرة للاهتمام، قادرة على إجراء تحولات نوعية في صلب النظام الذي من صنع أيديها ربما لا تصل إلى مستوى القدرة على الإطاحة بهذا النظام، لكنها قادرة على إجراء تغييرات جذرية في جوهر أدائه.. ومن هنا، ينتمي دونو للمدرسة التطويرية (Evolutionary)، مقابل نظيرتها الثورية (Revolutionary) العنيفة.

وعندما اختار ألين دونو كلمة المتوسط لوصف حالة هذا النظام الدولي القائم تحاشى الشخصنة؛ فهو لم يكن يصف شخصًا تافها أو دونيا أو غير كفء. إنَّه عوضا عن ذلك يشخص حالة القدرة المتوسطة لدى أفراد فئة كقوة اجتماعية متماسكة موضوعيا، تشكل نسبة عالية منتشرة في صفوف ذلك النظام. مثل هؤلاء الذين يتحدث عنهم الكتاب لا يتجاوز أداؤهم المستوى المتوسط. فالتوسط هو السمة الطاغية لدى هؤلاء الأفراد، الذين لا ينتمون إلى تلك الفئة العالية الأداء، لكنهم في الوقت ذاته لا يهبطون إلى المستوى الأدنى من الكفاءة. هذا الانتشار الواسع الخاضع للقوى التي تصنع القرار هو الذي يسخِّر أداءهم في خدمة مصالح المتحكمين في صنع القرار في المجتمع الذي ينشطون فيه.







شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد