• الجمعة : ٢٣ - أبريل - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٣:٤٠ مساءً
لماذا الفلسفة؟

فوزي عمار

أصبح مفهوم الفلسفة عندنا نحن العرب مُقترنا بالسلبيات كقولنا: "فلان يتفلسف"، و"بلاش فلسفة"؛ بل وأصبحت رديفًا للكفر عند بعض الفقهاء أحيانا، خاصة مع تراجع عصور التنوير عربيا بعد سقوط غرناطة.

ولم يعد الفصل بين الفلسفة؛ كونها حب الحكمة، وبين السفسطائية التى هي ادعاء الحكمة، والاغترار بمعسول الكلام الفارغ واضحا.. فالفلسفة تعني الحكمة وحب الحكمة. وتدريس الفلسفة أولى خطوات تقدم الشعوب.

لقد أنتج العرب والمسلمون فلسفة راقية عبر العصور؛ منهم: ابن رشد والكندي وابن سينا وابن باجة والغزالي... وغيرهم.

ولكن لنرجع لتاريخ الفلسفة، وهي التي بدأت عند اليونان، ويقال إنَّ هيراقليطس أول من تفلسف رغم أنه لم يترك إلا كتابا واحدا هو "الشذرات"، ولكنَّ َمن وضع قواعد الفلسفة هو سقراط.

ثم جاء أفلاطون وأرسطو وهما من أسَّسا الفلسفة التي انقسمت إلى قسمين رئيسيين: الفلسفة المثالية (أسسها أفلاطون)، والفسلفة المادية (أسسها أرسطو).

أرسطو الذي يقول: "لا يُمكن لأحد أن يتفلسف".

انقسمت الفلسفة الي عدة أقسام، ولكن أغلبها لا يخرج عن مثاليات وروحانيات أو ماديات.. روحانية اعتبرت وجود الله شيئًا أساسيًّا في هذا الكون مثل هيجل الذي يقول بالرعاية الإلهية، وهي من تحمي هذا الكون، وكتابه "ظاهريات الروح" هو الأقرب للفكر الصوفي، وابن عربي تحديدا.

بل ويقول الفيلسوف حسن حنفي إنَّ فكر هيجل هو أقرب إلي الحاكمية الإسلامية التي تؤمن بحكم الله، وكانط الذي أظهر إيمانا بالله؛ حيث يقول في كتاب "نقد العقل الخالص": العقل الانساني غير صالح للبحث في وجود الله؛ لسبب بسيط، وهو أنَّ العقل لا يمكن أن يفكر خارج إطار الزمان والمكان.. وهو غير مؤهل للتعاطي معه.

وعلى عكس ذلك، ظهر نيتشه الذي قال بموت الإله، وهو يقصد المبادئ والمُثل والقيم، وظهور الإنسان القوي السوبرمان.. ويري نيتشه أن القوة هي الفضيلة والضعف هو الرذيلة. والذي نقل عنه هتلر وطبق فكر نيتشه على الأرض، وسيطرة العرق الآري الألماني على باقي الأعراق، وأخذ عنه موسيليني والغرب أيضا حتى الوصول لامتلاك السلاح النووي والجرثومية والاتصالات، وقال نيتشه بحق القوة بدلا من قوة الحق والعدل.

تم سبينوزا الأقرب لفكر نيتشه في نكران الإله في كتابه "علم الأخلاق"، والذي مارس الشك الديكارتي على الدين. طبعا هنا يتكلم عن الدين الكنسي وليس الدين الإسلامي الذي لم يدرسه. ثم خرج لاحقا بفكر أشبه بالبوذية من حيث التعالي على الصغائر وحب الإنسان والكون وسُمِّي "إله سبينوزا"، وهي رفض لماديات تسجيد الإله عند المسيحية ورفض الطقوس الكنسية والبحث عن جوهر الأشياء.

فلسفة هيوم الذي يُرجع كل شيء لقانون السببية والعلة، ولكن هيوم نفسه -من وجهة نظري- لا يجيب عن سؤال حاجة المعلول للعلة، والذي وقف عنده العلم؛  فالعلم يشرح سبب غليان الماء وعلته وهي النار وسبب تجمده وسبب تجلط الدم ولكنه لا يشرح حاجة كل ذلك..  فيقف عاجزا عن الحاجة للعلة ومن أوجدها. 

لقد شرح داروين نظرية النشوء والارتقاء، لكنه غفل الطفرة وهي نفخ الله من روحه في الانسان. وهكذا تكتمل النظرية، وإلا أين المخلوق العاقل من باقي المخلوقات؟!

ولا ننسي سارتر وكتابه "الكينونة والعدم"، الذي يري أن "الوجودية مذهب إنساني"، وهذا عنوان محاضرة طويلة لسارتر.

على المستوي الفلسفة الاقتصادية، انقسم الاقتصاد بين الشيوعية المثالية لماركس، والملكية الفردية

واقتصاد السوق الحر والرأسمالية لأدم سميت.

ثم تأتي فلسفة العلوم والتي لا خلاف عليها مثل الرياضيات التي أسس لها فيثاغورس كانت ولا تزال،

و لم يثبت لنا التاريخ خطأها. فمجموع زوايا المثلت 180 درجة، وهي فلسفة قبلية، أي أنَّها أثبتت نظريا

 أولا ثم تم التحقق منها لاحقا.

مثل قوانين نيوتن التي سبقت إطلاق الأقمار الصناعية للفضاء ورجوعه سالما. مما يجعل الفلسفة النظرية حقيقة مطلقة.

ويخلص الكاتب دي بوتون في كتابه "عزاءات الفلسفة" في شرح أفكار ستة من أهم الفلاسفة وهم سقراط، ابيقور، سينيكا، مونتين، شوبنهاور، نيتشه، إلى أنَّ أفكارهم وفلسفتهم تعزينا كلما وقعنا في مشاكل وجودية مؤلمة.

فمنهج سقراط يعطينا الثقة بالنفس، ومنهج ابيقور يساعد على تغير اللذة المادية إلى اللذة الحسية والتخلص من معاناة العقل. أما الفيلسوف سينيكا، ففلسفته تعلمنا قبول المآسي للخروج من حالة الإحباط.

وبينما يصر بونتين على ضرورة تعديل مناهج التعليم باستمرار لتواكب المتغيرات وللظروف المحيطة ومنفعتها للحياة. 

شوبنهاور يؤكد على الأحاسيس الإنسانية التي تنتج عن الانكسارات العاطفية والنفسية.

وفي الوقت الذي ركز فيه نيتشه على حالة الألم للوصول إلى الغاية الجديدة، وحب ألا نهرب من التحديات بل التصدي لها للوصول إلى الأهداف القيمة.

تظهر لنا آيات الله في خلقه مع الفلسفة العلمية البعدية؛ وهي الأبستميلوجيا، والتي نكتشفها بالمعمل بالتجربة قال تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ".

والفلسفة أشبه بالصوفية التي تبحث في جوهر الأمور وليس قشورها.. كما أن الفردانية التي قامت عليها الحداثة هي مصطلح صوفي منبثق من قوله تعالى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا".

تلك هي الفلسفة التي اتفق جراءها الخلق واختصموا. لكنها ليست بالمطلق شرًّا، كما أنها ليست بالمطلق خيرا، و يعاد تعريفها في كل عصر.

فالفلسفة... نشاط ذهني وأداة وصف وتفكيك وبحث يستعملها الباحث مثل استعمال الطبيب للأشعة السينية، ويجب أن تنشط كلما أطبق الإظلام الفكري ليشع نور المعرفة، لكن يبقي إيمان الفيلسوف المسبق بالمادة أو الروح هو من يحكم على إنتاجه..وهذا ليس عيب الفلسفة بل عيب الفلاسفة.

لذلك؛ جاء الدين الإسلامي وهو درجة أسمى من الميتافيزيقا وتطور قارب بالجمع بين الفلسفة المادية والروحية معا، فنحن الأمة الوسط والإسلام جمع بين الروح والإيمان والجمال والمادة والعمل والعقل وعلم الغيب وعلم الشهادة، وأمور الحياة التي قال عنها سيد الخلق: "أنتم أعلم بأمور دنياكم". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخيرا.. نخلص إلى أنَّ الفلسفة ليست مذهبا بل منهج ونشاط ذهني لرؤية إيجابية للحياة، ولايجاد حلول لمشاكلها وفهمها بطريقة إيجابية وهي أداة للعل.

لا تكتمل إلا مع الخير.. و ما اؤتينا من العلم إلا النزر القليل.







شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد