إرثٌ عريق، وعطاءٌ ممتد منذ عام 1744م
تمثل ذكرى تأسيس الدولة البوسعيدية على يد الإمام المؤسس السيد أحمد بن سعيد في عام 1744م محطةً محورية في تاريخ سلطنة عمان، وحد فيها راية الأمة العمانية وقاد نضالها وتضحياتها الجليلة في سبيل السيادة الكاملة على أرض عمان والحرية والكرامة لشعبها الأبي، وجاء من بعده سلاطين عظام حملوا رايتها بكل شجاعة واقتدار وصانوا أرضها، وأكملوا مسيرتها الظافرة بكل عزم وإصرار، دافعين بعجلة البناء والتطوير في كل مناحي الحياة.
ويأتي اختيار الــــ 20 من نوفمبر يوماً وطنياً لسلطنة عمان تخليدا لسيرهم النبيلة ومآثرهم الجليلة والتزاما بالمبادئ والقيم التي شكلت نسيج الأمة العمانية عبر القرون، كما يأتي ليجسّد تلك الصلة المتينة بين جذور الدولة العمانية الضاربة في أعماق التاريخ، وامتدادها الحيوي في الحاضر، إنه الاستحضار الواعي للذاكرة الوطنية، والتأكيد على استمرارية النهج، فتراث التأسيس لم يكن مجرد لحظة تاريخية عابرة، بل كان مشروعاً وطنياً متجدداً، تتعاضد فيه دلالات الماضي وشواهده مع إنجازات الحاضر، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي يواصل مسيرة البناء والتجديد، ماضياً بعهد وثيق من النهضة المتجددة، ورؤية طموحة تسعى لتحقيق المزيد من الإنجازات والتطلع نحو المستقبل.
ولد الإمام أحمد بن سعيد في حي الجامع بولاية أدم عام 1694 م واكتسب قبولاً كبيرًا من الناس أثناء ولايته على صحار، وذلك لما أشاعه من الأمن والعدل في المدينة، حيث اعتمد منذ البداية على اتباع استراتيجية حكيمة تمثلت في التركيز على محورين أولهما رفع القبضة الفارسية عن الأراضي العمانية والتخطيط لإخراجهم منها بشكل نهائي وثانيها كسب ولاء الشعب وثقتهم وتحقيق وحدتهم وجمع صفوفهم في ميدان واحد شعاره السلام، وهو ما استطاع تحقيقه بفضل فطنته وحصافته، وفي 20 من نوفمبر 1744 اجتمع أهل الحل والعقد في قلعة الرستاق وتم الاتفاق على مبايعة أحمد بن سعيد البوسعيدي ليكون إماما لعمان ومؤسسا للدولة البوسعيدية، واتخذ من الرستاق عاصمة لحكمه.
ولم يكن عام 1744 تاريخا عابرا، وإنما كان بداية لمجد عمان تحت مظلة حكم الدولة البوسعيدية بقيادة المؤسس والقائد الملهم الإمام أحمد بن سعيد الذي صنع نموذجًا فريدًا و إرثًا حضاريًا و سياسيًا واقتصاديًا سار على نهجه السلاطين من بعده، وتميز الإمام أحمد بن سعيد بقدر كبير من الحنكة والدهاء، أعدَّ قوات عسكرية لتحقيق الأمن والاستقرار في عُمان وتخليصها من الاحتلال، وعيّن الولاة في أنحاء الدولة، وأنشأ أسطولاً عسكريًا تجاريًا يستعمل للأغراض العسكرية وقت الحرب وللتجارة وقت السلم، وأسهم في نجدة البصرة من الفرس عام (1775م)، والقضاء على القراصنة في المحيط الهندي وبحر العرب، كما عمل على إقامة علاقات خارجية مع حكام الهند وفرنسا وبريطانيا.
تتميز الإدارة والقيادة في دولة البوسعيد بأسس قوية ومتينة أرسى جذورها المؤسس السيد أحمد بن سعيد، وامتدت لتأسيس مفهوم السيادة الوطنية، الذي ظل حتى اليوم حجر الأساس لاستقلال القرار السياسي العُماني، وارتكزت الإدارة على الاهتمام بالاستقرار الداخلي وبناء التنظيمات الإدارية والمالية والقضائية وتوجت اليوم بقيام دولة المؤسسات والقانون.
أرست الدولة البوسعيدية دعائم الوحدة الوطنية في البلاد، حيث تمكّن الإمام أحمد بن سعيد من توحيد الشعب وتأسيس كيان سياسي موحد عن طريق الحكمة والتسامح والعدالة، وترسخت هذه الوحدة في عهد السيد سعيد بن سلطان الذي عمل على بناء إمبراطورية عمانية امتدت لتشمل مناطق عدة في شرقي أفريقيا والمحيط الهندي.
حققت الدولة البوسعيدية الكثير من الإنجازات العسكرية، وشكلت أكبر قوة بحرية في تاريخها، بلغت أوج قوتها في عهد السلطان سعيد بن سلطان، حيث امتلكت أسطولاً حربيًا وتجاريًا، ولعبت هذه القوة دوراً محورياً في تثبيت أركان الدولة وتعزيز مكانتها بين الدول وفي بسط النفوذ العماني الواسع، وتأمين طرق التجارة، والتصدي للأطماع الخارجية.
أولت الدولة البوسعيدية أهمية كبيرة بتنمية القطاع الاقتصادي والصناعي وتمكنت من بناء قوة اقتصادية قوامها الاهتمام بالزراعة والري وصيد الأسماك والموانئ، وطرق التجارة الداخلية والخارجية، كما كانت لها إسهامات عدّة في مجال الصناعة خاصة صناعة السفن والصناعات الحرفية الأخرى، وقد أدى ذلك إلى تحسّن الأوضاع الاجتماعية.
استطاعت الدولة البوسعيدية إيجاد علاقات ودية خارجية لضمان استقرار المنطقة وتقوية الروابط وتبادل المصالح المشتركة، التي شكلت مبادئ راسخة ومنهجا تسير عليه سلطنة عمان اليوم في سياساتها الخارجية وعلاقاتها مع مختلف دول العالم، قائمة على حسن الجوار والدفع بجهود السلام واحترام الشؤون الداخلية للدول والوقوف مع القضايا الإنسانية والعادلة والنأي عن الدخول في أي صراعات إقليمية أو دولية.
تمكنت الدولة البوسعيدية من تحقيق عدد من مظاهر الازدهار التجاري في الموانئ العمانية وترتيب نظام الجمارك على البضائع واهتمت منذ تأسيسها بإقامة علاقات تجارية واقتصادية وسياسية تطورت عبر العقود، فقد ارتبطت بعلاقات متميزة مع الصين، والهند، وإيران, والدولة العثمانية، وشرقي أفريقيا، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، وأمريكا.
يمثل المجال الثقافي أهمية خاصة في حياة الأمم، لذلك اهتمت دولة البوسعيد بهذا المجال من حيث انتشار المؤسسات التعليمية، والمجالس الأدبية العامة والخاصة التي كانت بمثابة ديوان مفتوح للأدباء والشعراء لعرض نتاجهم في الأدب والشعر والفقه والتاريخ، إلى جانب تأسيس المطبعة السلطانية وظهور الصحافة لأول مرة في تاريخ شرقي أفريقيا.
ازدهرت العمارة العمانية من قلاع وحصون وأبراج وقصور ومساجد في عهد الدولة البوسعيدية، وجاءت هذه العمارة استجابة لطبيعة البيئة العمانية ومكوناتها، فقد استخدم العمانيون الحجارة والجص والصاروج العماني (الطين المحروق) في تشييد التحصينات والمباني، وامتازت العمارة العمانية بهندستها الرائعة وبتصميماتها وزخارفها التي تظهر على الجدران والسقوف.

تواصل النهضة العمانية المتجددة مسيرتها المضيئة نحو التقدم والازدهار محققة تطلعاتها في رفعة الإنسان وتطوير الوطن عبر رؤية شاملة تنير الطريق نحو المستقبل وجعل سلطنة عمان في مصاف الدول المتقدمة قادرة على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية، وشهدت السنوات الخمس الأولى لانطلاق رؤية عمان 2040 تنفيذ أكثر من 100 منجز وطني ضمن محاورها الأربعة، وانعكس أثر هذه المشروعات والمنجزات في تحقيق خدمات أفضل من خلال مدارس ومستشفيات وطرق ومرافق ترفع جودة الحياة ، واقتصاد متنوع باستثمارات وفرص تعزّز النمو في مختلف المحافظات، وبيئة مستدامة ونظيفة بمشروعات خضراء تحافظ على البيئة وتسهم في الاقتصاد، وخدمات رقميّة شملت التحوّل الرقمي وحوكمة تجعل التعاملات أسهل وأكثر شفافيّةً.

تشهد سلطنة عُمان مرحلةً حافلة بالإنجازات، تتجه فيها بخطىً راسخة نحو مصافّ الدول المتقدمة، حاملةً راية دولة المؤسسات والقانون، ويأتي ترسيخ هذا النهج وتمكينه في صميم أولويات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – الذي يواصل بثباتٍ وعزمٍ، السير على الدرب النير الذي رسمه باني نهضة عمان الحديثة، السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – من أجل الحفاظ على منجزات هذا الوطن والبناء عليها.

سجل قطاع الصحة في سلطنة عُمان منذ 1970م تطورا كبيرا أفضى إلى بناء منظومة صحية شاملة تركّز على الوقاية والصحة المجتمعية وتوفير مستويات متقدمة من الرعاية، وفي عامي 2023-2024م بلغ عدد المؤسسات الصحية أكثر من 50 مستشفى حكوميًا و36 مستشفى للقطاع الخاص و215 مركزًا صحيًا حكوميًا، إلى جانب مدن طبية متخصصة، وتسعى الحكومة بهذه الجهود إلى بناء نظام صحي متكامل يلبي احتياجات المجتمع العماني الحالية والمستقبلية.

يشكل التعليم حجر الزاوية في بناء مستقبل الأمم وتقدمها، وقد حظي قطاع التربية والتعليم في سلطنة عمان منذ بزوغ فجر النهضة الحديثة في عام 1970م باهتمام بالغ؛ حيث سعت الحكومة إلى تحقيق التعليم للجميع وتيسير سبله فشهدت البلاد قفزة نوعيةً على صعيد التعليم، حيث بلغ عدد المعلمين اليوم (66379) معلمًا ومعلمة، موزعين على (1303) مدارس، وبلغ عدد الإداريين والفنيين بالمدارس الحكومية (11183)، منهم (4420) من الذكور، و (6763) من الإناث، أما عدد المعلمين في مدارس التربية الخاصة فبلغ (241) معلمًا ومعلمة، وإجمالي عدد الإداريين في مدارس التربية الخاصة (46) إداريًّا وإدارية.

أولت النهضة العمانية الحديثة اهتماما كبيرا بإرثها الحضاري العريق، وتزخر سلطنة عمان بتراث ثقافي مادي ومعنوي؛ حيث تحتضن القلاع والحصون والمعالم التاريخية والأثرية إلى جانب موروث ثقافي منقول يعكس ارتباط العماني ببيئته وتاريخه ويعكس التنوع الفكري للهوية العمانية الأصيلة ويعد عنصرا رئيسا في بناء النهضة ودفع عجلة التنمية الشاملة لهذا الوطن الغالي.

تتسم سلطنة عمان في تاريخها الحديث بعلاقاتها المتوازنة مع جميع دول العالم، إذ ترتكز مواقفها السياسية على مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها والالتزام بمبادئ الحق والعدل ضمن إطار انتمائها العربي والإسلامي مع التأكيد على حل النزاعات بالطرق السلمية وتمكين سبل الحوار الإيجابي وسعيها إلى تعزيز المصالح المشتركة والمتبادلة مع الدول الشقيقة والصديقة ودعم جهود المنظمات الإقليمية والدولية.

يشهد الاقتصاد الوطني تطوّرا متواصلا وتحسّنا في المؤشرات المالية والاقتصادية، واتسم أداء الاقتصاد العماني في 2025 بتحقيق مستويات مرتفعة من النمو الإيجابي بفضل جهود التنويع الاقتصادي وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، ما أسهم في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، وجذب المزيد من الاستثمارات، وتحفيز القطاع الخاص، وسط أداء جيد للمالية العامة وتحسن التصنيف الائتماني وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وازدهار التجارة الخارجية، كما تمكّنت سلطنةُ عُمان من تحسين أدائها الاقتصادي والمالي وخفض المديونية، إذ بلغ حجم الدَّيْن العام بنهاية الربع الثاني من عام 2025م نحو 14.1 مليار ريال عُماني.

حظيت قوات السلطان المسلحة على مدى 55 عاما من مسيرة النهضة المباركة بالعديد من أوجه التطوير والتحديث ومظاهر التقدم والازدهار في ظل الاهتمام السامي والرعاية الكريمة من لدن جلالة السلطان المعظم القائد الأعلى –حفظه الله – ومن قبله السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وذلك انطلاقا من واجباتها الوطنية الجسيمة تجاه الحفاظ على منجزات النهضة المباركة ومكتسباتها وفي سبيل أداء مهامها النبيلة في حماية الوطن والدفاع عنه، لتظل راية سلطنة عمان عالية في سماء المجد.

منذ بزوغ نهضة عمان، يواصل الإعلام العماني دوره بوصفه شريكا أساسيا عبر مساهماته المتنوعة في بناء وتطوير النهضة العمانية الحديثة والمتجددة، ونقل وتوثيق المنجزات بموضوعية وشفافيّة، لتتكامل الجهود مع مختلف المؤسّسات العامّة والخاصّة ومؤسّسات المجتمع المدني، وأصبح الإعلام العماني رافدًا أساسيًّا في دفع مسيرة التنمية الشاملة وصوتًا وطنيًّا مسؤولًا يُسهم في صناعة الوعي وترسيخ الهُوية العُمانية، وممكّنا لجسور المودة والصداقة مع دول العالم وفق سياسة إعلامية متزنة.

يمثل الاهتمام بالبيئة وصون مواردها الطبيعية في سلطنة عُمان نهجًا حكوميا شاملًا ومتواصلا، ويتجلى هذا الاهتمام في سن التشريعات والقوانين والمشاريع والمبادرات التي تهدف إلى حماية البيئة العمانية الفريدة وتحقيق التنمية المستدامة، كما يتمثل من خلال الاهتمام بمشاريع الطاقة المتجددة، وإدارة الموارد المائية، وحماية الحياة البرية، بالإضافة إلى جهود مكافحة التصحر، وتعزيز السياحة البيئية، والمساهمة في الوعي البيئي.
المراجع
الموسوعة العمانية، عمان في التاريخ، جريدة عمان، كتاب عمان السنوي