• الخميس : ٠٢ - ديسمبر - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠١:٣٩ صباحاً
حارة اليمن بولاية إزكي .. تتبع أثري يبرز علاقة العُماني بنمط حياته المتنوع
حارة اليمن بولاية إزكي .. تتبع أثري يبرز علاقة العُماني بنمط حياته المتنوع
حارة اليمن بولاية إزكي .. تتبع أثري يبرز علاقة العُماني بنمط حياته المتنوع
حارة اليمن بولاية إزكي .. تتبع أثري يبرز علاقة العُماني بنمط حياته المتنوع
حارة اليمن بولاية إزكي .. تتبع أثري يبرز علاقة العُماني بنمط حياته المتنوع

العمانية/ تقوم الثقافة الاجتماعية العُمانية في طبيعتها على ترسيخ الامتداد التاريخي للمجتمع العُماني، ومنذ أمد بعيد قام التواصل الاجتماعي بين أبناء المجتمعات في سلطنة عُمان على تأسيس الأفكار التي من شأنها العمل على إيجاد التجمعات البشرية، وتبقى الحارات العمانية القديمة التي خلدها التاريخ العُماني خير دليل على تلك التجمعات والمستوطنات البشرية.

وحارة اليمن في ولاية إزكي بمحافظة الداخلية هي إحدى التجمعات البشرية التي قدمها التاريخ العُماني كإحدى أهم الأماكن القديمة، وقد تم توثيقها بشكل رسمي في المدونات العُمانية لاتصافها بعدة خصائص مهمة، فهي يشار إليها بأنها أقدم مستوطنة في سلطنة عُمان، حيث توجد إشارات إليها في ما يسمى بنقوش ألواح عشتار الخاصة بالملك آشور بانيبال، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي كونها جزءًا من واحة إزكي في أقصى جنوب فجوة سمائل التي تربط بين ساحل الباطنة ومحافظة الداخلية وصولًا إلى مناطق الشرقية عبورًا بجبال عمان والتي تضمن السيطرة على الرابط الجنوب الغربي عند وادي الحلفين إضافة إلى تاريخها المعقد من الهجرات والصراعات، مرورًا بطابعها المحصن والموجه نحو الداخل، مع وجود تحصينات في حالة حفظ جيدة تتكون من جدران وأبراج بارزة، نتيجة لعلاقة الخصومة التاريخية مع مستوطنة /النزار/ المجاورة.

 وتقع حارة اليمن فوق هضبة مستوية نسبيا، على ارتفاع يصل إلى حوالي 550 م فوق مستوى سطح البحر، ورغم أن البقعة التي تشغلها الحارة تميل قليلًا في حافتها الشرقية إلا أن الأرض المسطحة عمومًا قد سمحت لسكان الحارة بتنظيمها تنظيمًا اعتياديًا.

وتتفرد حارة اليمن كونها مقسمة إلى قطع مرتبة بدقة فذلك يكسبها تفردًا يبعدها عن أنماط التشتت المعتاد الذي عادة ما يلاحظ في المناطق الحضرية العمانية. ويمكن الدخول إلى الحارة من جهتي الشمال والشرق عن طريق بوابتين، رغم أن الدلائل تشير بوضوح إلى وجود بوابتين أخريين على الجانب الغربي والزاوية الجنوبية الغربية، علاوة على ما تشير إليه الأدلة الأثرية من وجود بوابة أخرى على الجانب الشرقي منها.

أما خاصية التعامد المكاني في توزيع البناءات فهي غير مألوفة وتشير إلى مرور الحارة بمراحل مختلفة من التدمير وإعادة الإعمار والتوسعة، حيث توجد طبقات متتالية من البناء على أساسات موجودة مسبقًا.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن حارة اليمن يمكن تعريف هيكلها بأنه وحدة حضرية مستقلة محددة المعالم تقع ضمن تطويق جيد التحصين فإن أقدم مرحلة من مراحل السكن في حارة اليمن كانت متمركزة في الطرف الجنوبي بجانب كتلة من المساكن غير المنتظمة مبنية على أساس أحادي الطبقة من أحجار كبيرة غير منتظمة الشكل والحجم.

ومن المحتمل أن تكون هذه الحارة القديمة قد امتدت جنوبًا باتجاه الطرف الشمالي لحارة النزار، وفقًا لما تشير إليه اللقى الفخارية من العصر الحديدي وأساسات التشييد المتفرقة في هذه المنطقة.

 والمتتبع لأثر حارة اليمن بولاية إزكي سيجد أن أول ما يمكن رؤيته عند الدخول عبر البوابة الشمالية مساحة كبيرة مفتوحة يقطنها الدرامكة إلى جانب مسكن لبني رواحة، وتقع سبلة العالي شرق المدخل، وهي عبارة عن بناء بارز مهم في مقدمته مصطبة مرتفعة.

وبالأخذ بعين الاعتبار الدمار الكثيف الذي أصاب حارة اليمن وعمليات إعادة الإعمار فمن المرجح أن تكون هذه الساحة قد اتخذت أشكالًا متعددة في أوقات مختلفة. بيد أنها قامت بدور مهم خلال الاحتفالات الشعبية والأعراس والأعياد. وفي الطرف الجنوبي لسكة العالي قرب المسجد الجامع تلتقي السكة بمساحة مفتوحة في جنوبها سياج الجامع وغربها البئر المرتبطة به (طوي الجامع)، والقناة المرتفعة التي تمتد ناحية المسجد.

أما المدخل الشرقي لحارة اليمن فليست له ساحة مفتوحة داخل الحارة، رغم أنها ابتدئ بإنشائها جزئيًا في الخارج مع السبلة الممتدة إلى جنوب المدخل مشكلة شرفة مرتفعة. وأما البوابة الغربية للحارة التي كانت موجودة ذات يوم قرب الجامع فقد شيدت لاحقًا، وكان هناك مدخل مسدود متدرج - يحتمل أنه كان يستخدم لإدخال الماشية- في الزاوية الجنوب – غربية من الحارة. والمنطقة خلف جدار القبلة للمسجد الجامع، حيث يحتفظ بالماشية كانت تسمى /حرم الجامع/، ويحتمل أن الاسم يشير إلى مفاهيم قديمة عن المناطق المقدسة في جنوب شبه الجزيرة العربية.

ويشير التحليل الخاص بهندسة حارة اليمن والآثار المتعلقة بتركيبتها إلى أنه كانت توجد بناءات أقل تنظيمًا تحولت تدريجيًا إلى هيكل حضري واضح التعامد. أما المنشآت الدفاعية فتتخذ المنشآت الدفاعية في حارة اليمن شكلًا شبه منحرف يتمدد شمالًا وتوسعات متعددة.

ويتشكل التصميم العام للحارة، في كونه تسوير من جدار صلب مبني من الحجارة يبلغ ارتفاعه حوالي 3 أمتار وسمكه حوالي 2 متر، وبه ممر حراس عريض ومتراس من الطوب الطيني به فتحات (كمنصات للأسلحة)، أما الجدار فقد بني باستخدام تقنية الهيكل المزدوج، بصخور مدورة متوسطة الحجم تشكل الواجهتان الداخلية والخارجية، مع حشوة من الطين والرمل.

ويظهر من بعض الأقسام المنهارة جزئيًا هيكل داخلي ثالث يوضح وجود عملية تدريجية لتقوية الجدران.

أما زوايا حارة اليمن فتحميها ثلاثة أبراج مختلفة الشكل والحجم، مما يدل على تشييد كل منها على نحو منفصل. أما البرج الواقع في الزاوية الشمال /غربية/ فيحتوي على بئر (طوي البرج) في منتصفه، ويمكن الوصول إليها عبر ممر خفيض مقنطر من منطقة الدرامكة. وأكبر هذه الأبراج حجما ومثارة للإعجاب فهو الذي يعرف باسم /القلعة/، ويقع في الزاوية الجنوبية بغرض مراقبة الأرض المحايدة بين حارتي اليمن والنزار، ويطل على قلعة اليعاربة، وإلى جانب كون هذا البرج مبنيًا دفاعيًا فإنه يعد أيضًا سجنًا مكونًا من أربع زنازين في قاعدة البرج، أما المستويات العلوية فيوجد فيها عدد من فتحات إطلاق النار التي تغطي الحواف الجنوبية بالإضافة إلى درج يؤدي إلى السطح الذي كان في الأصل مسورًا بفتحات.

وإلى جانب وجود عدد من التحصينات الحضرية المنيعة على هيئة جدران وأبراج ومباني فوق البوابات أو جوارها، فقد كانت الواحة بالكامل محمية من عمليات التوغل عن طريق نظام مكون من 15  إلى 20 برج مراقبة متصلة بطريقة واضحة للعيان، حيث تقع الأبراج على مرتفعات التلال مما يوفر منظرًا متكاملًا للأرض المحيطة بالواحة. وأخيرًا توجد أيضًا قلعة تعود لزمن اليعاربة تقع بالقرب من الحافة الجنوبية.

وبُنيت جميع المساكن في حارة اليمن باستخدام الطوب الطيني، رغم أن طبيعة التربة السطحية الضحلة تطلبت أحيانًا بناء أساسات حجرية مقاومة لارتفاع الرطوبة وتآكل الأساس. وبخلاف المواقع الأخرى في المنطقة مثل بركة الموز، فإن الصخور المحلية لهذه الحارة غالبا ما تتخذ شكلا دائريا بأحجام مختلفة تستخرج من الكتل الحجرية المختلطة أو تجمع من قاع الوادي، وكثيرا ما تتطلب استخدام كميات كبيرة من الملاط الطيني للمحافظة على تماسك البناء.

وتوضح المصادر الأثرية التاريخية أن معظم المساكن الموجودة في حارة اليمن مؤلفة من طابق واحد وعادة ما تكون لها ساحات مفتوحة، رغم أن عددًا من المساكن الأكثر فخامة في حي الدرامكة، ولها طوابق علوية مبنية في بعض الأحيان فوق سور المدينة. وبالمقارنة مع حارة النزار وغيرها من الحارات في المنطقة، فإن الهندسة المعمارية لحارة اليمن تبدو أقل مكانة على الرغم من أن ذلك يعود على الأرجح إلى المراحل المتكررة من إعادة الإعمار التي مرت بها حارة اليمن، وهذا يفسر وجود عدد كبير جدًا من الساحات المفتوحة في الحارة إذا ما قورنت بالحارات الأخرى في محافظة الداخلية.

وتتبع بعض مساكن الحارة إلى حد كبير النمط المساحي السائد في هذه المنطقة، حيث يظهر طابعها الطوبوغرافي تشابهًا بمنطقة بوشر وغيرها من المناطق في سلطنة عُمان.

ولحارة اليمن مجموعة من القيم الحضرية والمعمارية، ونظرًا لخلو الحارة من أية عوائق طبوغرافية كبيرة، فقد أمكن تصميمها على هيئة نمط شبكي فريد يتميز عن الأنماط العُمانية المألوفة. وفي حين تشير الروايات التاريخية الموجودة حول عمليات التدمير وإعادة الإعمار المتعاقبة التي شهدتها حارة اليمن.

 ويعد وجود حارة اليمن مثالًا لتطوير استيطاني متأخر خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين يوازي التطورات التي شهدتها الحمراء، وعمليات إعادة إعمار العديد من الحارات السكنية في ذلك الوقت (مثل حارة السيباني في بركة الموز).

والراصد لمفردات حارة اليمن الأثرية سيجد ذلك التنوع الواسع للسبل أو أماكن التجمعات، سواء شبه الخاصة أو العامة، تنوعًا في التوجهات الاجتماعية فيما يتعلق بالتجمعات وأنشطة المجتمع، وهي خاصية مميزة بالطبع بالنسبة لحارات المناطق الداخلية، كما يشير وجود عدد كبير من القبور التي تعود لعصور ما قبل الإسلام في المنطقة إلى وجود مجموعات سكانية كثيفة سكنت المنطقة منذ التاريخ، الأمر الذي يكسب منطقة الواحة أهمية عملية تمتد لكافة فترات النشاط البشري.







شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد